Ouvrages

« Le conquérant de L’empire Imaginaire »- Roman historique
الحافلة رقم : 32
Une année considérable
La transition au Maroc : Le purgatoire
La transition au Maroc
منشورات دفاتر سياسية
اليسار في المغرب الضرورة والتوترات

Nous avons 8 invités et aucun membre en ligne

Compteur de visites

692674
Ajourd'hui
Hier
Cette semaine
Max. par semaine
Ce mois
Mois passé
Depuis le début
83
93
305
234436
2143
3814
692674

votre IP: 54.162.152.232
Heur du Serveur: 2017-10-18 18:32:04

Chercher dans notre site

 

 

 

عبد الله ساعف

 

   تعَذُّ بعضُ الشخصيات الوازنة جزءا من مسارنا لِعقود طويلة، حتى وإن لم تكن جزءا من حياتنا اليومية. كما أنّ ثمّة شعراء لا ينتسبون إلى مشهدنا المألوف وحسب، وإنما أيضا إلى ما هو بنيوي في ثقافتنا. أسماؤهم وأعمالهم تملأ لزمن طويل عالمنا السياسي والثقافي والعاطفي الذاتي والجماعي. الشاعر محمود درويش واحدٌ من هؤلاء.

   إن الوضع الحالي للأعمال والنصوص المكتوبة والمنقولة والقصائد المسجلة عبر الأغاني والموسيقى والوسائط يجعل منها لا فقط مرجعيات ومعالم في مسارنا، وإنما أيضا عناصر مهمة في حياتنا اليومية. وما يتحكَّم في صِلتنا بها يختلف باختلاف مشاغلنا الوجودية أكثر من خضوعه لاختلاف تخصُّصاتنا.

   في متابعتي لمحمود درويش لم أقصر اهتمامي به شاعرا وحسب، بل انشغلت إلى جانب ذلك بما يصِل الشاعرَ بالسياسة. قراءتي له تعني، باختصار شديد قراءةً للشعر، فيما تمثل كذلك إمكانَ رصد العلاقة مع السياسة لدى هذا الشاعر، الذي رأى النور في قلب القضية الفلسطينية.

   رَصْدُ حياة درويش، بدءا من ميلاده في 13 مارس 1941 بقرية البروة، ثم منفاه رفقة أسرته بعد هدْم المحتل لمنزل الأسرة والدمار الذي تعرضت له قريته وقُرى أخرى بغاية خلق الكيان الإسرائيلي، معناه مصاحبة بزوغه السياسي. وإلى جانب المسار الشخصي، النضالي والشعري، لمحمود درويش، يرتسم من جديد ما يُجسِّد في منظور الثقافة العربية المعاصرة، السؤال الخاصّ بعلاقة المثقفين بالسلطة، كما ألِفنا تسميته.

   منذ الصدمات الأولى، بدا مسار درويش بكامله متأثرا بالسياسة ومتداخلا معها. لذلك كان من الطبيعي أن نعثر لديه على تأمل في علاقة الفن بالسياسة، وإشكالية الالتزام، وفي سؤال الجمع بين النضال الميداني من جهة، وبين الشعر والإبداع من جهة أخرى. لا تنفكُّ أقوال درويش وكتاباته تعود، في أحايين كثيرة، إلى السؤال القديم المتعلق بمكانة الشعر والأدب والفن داخل الوطن.

خلّف شعر درويش، للاعتبارات التاريخية والسياسية والثقافية التي نما فيها، أصداءً عميقة لدى جماهير واسعة في بلدان عربية مختلفة. شعرٌ بدا، للتو، تعبيرا عن نشأة الفضاءات العمومية وبنائها ونُضجها في المجتمعات العربية التي في طور التحوّل.(1)

   أمّا المرحلة الأخيرة من حياة درويش، فبدَتْ مُحيلة على شاعر منشغل، على نحو لافت، بمعنى الوجود، وقلق الكائن، والحياة والموت. فهل يمكن للسياسة، في هذا المنظور، ألاّ تحضُر دوما؟

يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات:

-         من الرفض إلى المقاومة،

-         الظاهرة الدرويشية،

نسبية السياسة وطابعها المطلق.

 

1-   من شعر الرفض إلى شعر المقاومة:

   ألِفَ بعضُ الشعراء والكتاب والمثقفين بوجه عامّ، تحديدَ بدايتهم السياسية اعتمادا على تواريخ فارقة وأحداث وازنة ووقائع دالة. ففي المغرب مثلا، كان البعض يحيل على أحداث الدارالبيضاء 1965 بوصفها المنطَلق لديه، فيما حدَّد آخرون هذا المنطلقَ في حرب يونيو 1967، أو أحداث ماي 1968، أو الثورة الثقافية في الصين. كانت الإحالة على هذه الأحداث تتمُّ على النحو الذي به تتم اليوم على سقوط حائط برلين، أو على الحادي عشر من سبتمبر 2001.

   كان محمود درويش واحدا من هؤلاء المثقفين الذين قدِموا، منذ البداية، إلى السياسة، في سن السادسة، عبر الحدث الصادم الذي جسَّده خلق الكيان الإسرائيلي. حدثٌ عانى درويش شخصيا من آثاره على نحو مباشر.

   لا " قبل " ولا " بعد " للسياسة لدى درويش. فقد وُلد، على نحو مّا، داخلها. لا يمكن فصله عن أكبر مآسي الفترة المعاصرة؛ الإحراق الإجرامي لقريته، مخيمات اللاجئين، عودتهم، المنافي، المعارك الكبرى في حياته ومواجهته للموت. إنه يبقى في قلب السياسة حتى بعد حياته، كما يُوضّح ذلك سفرُه إلى دياجير الموت، التي تحكي عنها قصيدته " جدارية " وعودته منه. لقد كان درويش منخرطا، منذ البداية، في السياسة على نحو يحول دون تخلصه منها.

   بغضِّ النظر عن الحكايات التاريخية " المسكوكة " والتحليلات والتنظيرات، يمكن القول إن السياسة اقتحمتْ درويش في عزِّ طفولته؛ السياسة الكبرى في أبعادها المحلية كما في أبعادها الجهوية والعالمية. عن ذلك يقول: "فالرصاص الذي انطلق في تلك الليلة من صيف 1948 في سماء قرية هادئة (البروة) لم يميز بين أحد، ورأيت نفسي، وكان عمري يومها ست سنوات، أعدو في اتجاه أحراش الزيتون السوداء، فالجبال الوعرة مشيا على الأقدام حينا وزحفا على البطون حينا، وبعد ليلة دامية ملايئة بالذعر والعطش وجدنا أنفسنا في بلد أسمه: لبنان..(2)".

   ما ميز درويش الطفل، انطلاقا من هذه اللحظة، عن الكبار، هو الحرمان من الطفولة. ولن تكُفَّ هذه المصادرة الفظة لأشيائه ولغته عن تعميق آثارها الراسخة. فقد تمّت معاملته مثل الآخرين، ممّا جذر فيه لغة جديدة مُحمّلة بكلمات من قبيل: الحدود، اللجوء، الاحتلال، الوكالة، الصليب الأحمر، الراديو، العودة، فلسطين...

   يشترك كتاب سيرة درويش في إبراز الصدمة التي أصابته عندما لم يعثر، بعد عودته، على فلسطين التي كان يعرف. لم تستقبلْه على النحو الذي كان يتوقع. فتحوّلت لديه إلى منفى من نوع خاصّ. ذلك أن أرضه لم تعُدْ أرضَه، فيما لم يقوَ أيضا على العودة إلى مسكنه. وبألم كبير، استوعب أن قريته وبيته دُمِّرا نهائيا، لتتولد لديه الأسئلة: كيف يتمُّ العمل على تدمير القرى؟ لِمَ يقوون على تدميرها؟ كيف يسعون إلى ترسيخ أنها لم توجد أبدا من قبل؟ كيف يتمُّ العمل على بناء قرى لا ماضي لها؟

   وبالجملة، فإن لغة درويش الجديدة ستلازمه إلى الأبد. ومن يومها أصبح منفيا في فلسطين. ومعلوم أن ظروف المنفى في الوطن أقسى منها خارجها. المنفي في وطنه ليس حُرّاً حتى في خسارته الجوهرية.

   كان محمود درويش مُطوَّقا، منذ حداثة سِنّه، بالسياسة والشعر.فقد كتب الشعر منذ مراحل تعليمه الابتدائي والثانوي، ونشرَهُ أيضا. وتبدّى المنحى السياسي بوضوح في شعره، إذ أصبح الشعر وطنَه البديل. فيه يعبِّر عن جروحه وسُخطه على الظلم الأول كما أدركه شابٌّ ينتسب إلى شعب مضطَهَد ومسحوق.

   منذ القصائد الأولى، سعى الشاعر الشاب إلى ربط إحساسه وميوله وحماسه وانفعاله بحُبّه الذي يشدّه إلى قضية شعبه. وسيُوَجِّه شخصيتَه اهتمامان، يحكمهما التقاطع والتداخل والتقابل. الأول جسَّده التأثر بكل قُوى التغيير في العالم، مع السعي إلى تخليدها في الشعر، والثاني جسّده الانشغال بالبحث عن الجمالية والشعرية والإيقاع.

   ثمة ميلٌ قوي لدى عدد من " المحللين " إلى عدِّ " التعصُّب " سمةً خاصّة بنسق التعليم العربي الإسلامي، سواء أكان تعصُّبا " للقومية العربية "، أو للحركة البعثية، أو للإسلام أو غير ذلك. بيْدَ أنّ درويش حكى بإسهاب معاناته في المدارس الإسرائيلية، حيث يُفرَضُ على الشباب العربي تلقي تعاليم تيودور هرتزل بدل الحديث النبوي، وتعلُّم مقاطع من شعر حاييم ناجمان بياليك  Haim najman bialikعوض أشعار المتنبي. كما أن دراسة التوراه كانت إلزامية خلافا لدراسة القرآن. فقد كان التلاميذ العرب حقل استثمار ثقافي مُمَنْهَج. ولم تكن الآلة الصهيونية، والأجهزة الإيديوجية الأخرى، تستهدف الشباب اليهودي وحسب، بل سحقت أيضا أو على الأقل سعت إلى سحق الشباب الفلسطيني. والظاهر، في ضوء هذا الأفق، أن العديد من الشبان العربي احتمى من هذا الوضع بالاقتراب من اليسار أكثر، والانخراط في الماركسية. هكذا أصبح درويش عضوا في الحزب الشيوعي الإسرائيلي عام 1961. وقد تعرّض مرارا، في أثناء هذه الفترة، للاعتقال. كما اشتغل مُحرِّرا ومترجما بجريدة هذا الحزب، ممّا أتاح له أن يستوعب عن قرب الإشكالية التي تنطوي عليها علاقة المثقف العربي بالماركسية.

   لقد أثارت النظرية الاجتماعية، في العقود الأخيرة على الأقل، الاهتمام مرارا بالانجذاب القومي الذي تُحْدِثه الماركسية في المثقف العربي. وحالة محمود درويش لافتة بهذا الشأن. فحسب عبد الله العروي، فإن الماركسية، تمنح اديولوجية قادرة على رفض التقليد بدون أن يظهر الرافض مستسلما لأوروبا، وقادرة أيضا على رفض شكل خاص من المجتمع الأوروبي. بالإضافة إلى ذلك فإن الفرد الذي يتبناها، ليس مجبرا كما هو الحال بالنسبة للمثقف، للاختيار بين الحقيقة الذاتية والمعتقد الشعبي، إذ لديه إمكانية ملاءمة المستويين بواسطة الممارسة(3)". هكذا يعيد درويش التفكير في الماركسية بوصفها أداة للتطور وسلاحا للمواجهة والتعبير عن العقلانية الشاملة.

   في سِنّ الثامنة عشر، نشر درويش مجموعته الشعرية الأولى " عصافير بلا أجنحة " عام 1960، التي تلتها مجموعته الثانية " أوراق الزيتون "عام 1964. فيها انتقل من الحزن اللافت في المجموعة الأولى إلى الفعل والغضب والمزج بين القضية الشخصية والقضية العامة للشعب الفلسطيني. هكذا عاش العبور من " ثوري " حالم وطموح إلى " ثوري " واع بضرورة الفعل والعمل. كتب ذلك كلَّه بالإحالة على أجواء القرية المطبوعة بآلام الناس وأغاني الأرض، والمقاومة الوطنية، والصمود في رفض الأمر الواقع.

   في المجموعة الشعرية الثالثة " عاشق من فلسطين " الصادرة عام 1966، كان شعر درويش قد قطع مراحل هامّة، جسَّدها نُضج الشاعر، إذ أصبح صوتُه أكثر هدوءاً وإيحاءً، ولكن أكثر شفافية أيضاً. تسنّى لدرويش أن يتحرّر، في هذه المرحلة، من الصورة الوصفية لينشغل بالإشارة الموحية والمومِئة. التزامُه الشعري لن يتجلى فقط في اختياره المبدئي ووجهة نظره وطريقته في الكتابة، وإنما سيتبدّى أيضا في تعبيره عن خَفْق قلبه ونبضه.

   أغلبُ قصائد هذه المجموعة كُتِبت في السجن، وشكّل السجن موضوعَها. لقد أصبح للمكان أثرٌ قوي في بناء المرحلة الجديدة التي انتقل إليها درويش في هذه المجموعة. فكتابة الاعتقال تتميز، في منظوره، بضرورة الإدراك السريع للأشياء وباتخاذ وضعية " القناص "، بُغية أن نُمسك بكل شيء وألا نمسك بشيء، ولكن أيضا بغية إدراك الجوهري، استنادا إلى أساس موسيقي يتبلور على إيقاع لازمة مُتجانسة.

   عندما يتحدّث درويش عن " شعر المُعتقَل "، يصفُه بقوة. يذهب إلى أن القصيدة المكتوبة في السجن تتميز بقصرها الشديد، ممّا يجعلها أكثر كثافة. إنها تنطوي على حِدّة بَهية، بالغة الإيحاء. فإنك تشعر "أن هذا الشاعر السجين لم يقل كل شيء، لم يستهلك تجربته، وما زالت هنالك ظلال غير مرئية".. (4). يتعين على القصيدة ألا تبوح بكل شيء. ذلك ما يميل إليه درويش، لأن الشعر عنده مُتمنّعٌ عن الاختزال في خُطـّةِ تلقٍّ تحصر مهمة القارئ في دور سلبي. على القارئ، حسب درويش، أن يُسهم في الفعل الإبداعي.

   لماذا، إذن، يسمح الشعر ب " تجويد " كتابة الشعر؟ إن مكان الاعتقال يُرغِم على مساءلة كل شيء. الحرمان والانفصال عن العالم يقلبان الارتباط النفسي والعاطفي للسجين ويُحوّلان هذا الارتباط إلى حالة تداخل، ويسِمانه بحميمية غريبة. كل شيء في العالم الحرّ، خارج أسوار السجن، يتحول إلى ذكريات، وإلى وعود باللقاء مع كل ما هو ممكن، بعد استعادة الحرية. يقول درويش: " عندما يطلق سراحي سأقف طويلا لكي أمتلك بزرقة البحر وملوحته. وفي السجن "اكتشفت" الشجر بكل ما فيه من مودة كرد فعل للون الرمادي. وهكذا تصبح الأوان مثار اهتمام من نوع جديد. مازلت أقول أن النفي الحقيقي للإنسان هو أن تبعده عن الشجر. كل عشية تتحول إلى رمز. في السجن تكتشف علاقاتك الحميمية بالناس، ويزداد الانتماء حنانا، وترى أهلك من زاوية أخرى لم تنتبه لها من قبل.."(5) ".

   جسّدت المجموعة الشعرية الرابعة " آخر الليل " الصادرة عام1967، تحوّلا في المسار الشعري لمحمود درويش، إذ اختفت الأشجار من كتابته كما اختفى الإيحاء، ليصبح الرمزُ أكثر كثافة، وإن ظلت الإحالة على الوسط الخارجي أكثر شفافية وصفاءً. هكذا تمّ وصْلُ الواقع بالحلم وغدا الرمز جليا في عبارته، وتكشّفت تلقائية قوية في علاقة الروح بالوجود، والتحم بينهما حوارٌ لا تنازل فيه. كما تبدّت ، في المجموعة، مواجَهة شرسة بين الحياة والموت. والمفارقة أننا نلاحظ، في الآن ذاتِه، عودة إلى عبارة شعرية مباشرة، تروم التفاعل مع الناس بحَثّهم على المقاومة والتحلي بالأمل والإيمان.

   هل أصبح درويش أكثر غموضا؟ وهل عمد إلى التجريب أكثر؟ لقد ظلت قضايا الالتزام، المرتبطة بما يُسمّيه الشاعر الدفاع عن الجماهير والكتابة من أجلها، الانشغالَ المُهيمِنَ لديه. ولكن كيف يتسنّى التوفيق بين الرغبة في فتح الطريق للكلام كي يؤدي مهمته إلى جانب الجماهير، بوصفه كلاما ثوريا، وبين المقتضيات الفنية لتطوير هذا الكلام؟ بقدر ما كان هذا السؤال حاسما، بقدر ما كان على المثقفين أن يقاوموا السلطة وعدمية الفنان وانعزالَه. فقد كانت المقاومة ضد الحرمان بمختلف أشكاله جزءا من اليومي تقريبا.المقاومة ضد الشوفينية اليهودية وإيديولوجيا التفوق الإثني العبري، المقاومة ،أيضا، كي يستمر الأدب الفلسطيني الذي كان موضوع اضطهاد حاقد، قلّما يظهر للعيان. فبقدر ما أجهدت السلطات الإسرائيلية في إخفاء وحشيتها، سعت أيضا إلى إقناع العالم بأنها تمثل ملجأ للديمقراطية في قارّة كل الديكتاتوريات.

   للمثقف والكاتب والشاعر وغيرهم أن يكتبوا ما شاؤوا، إلا أنه كان واضحا أن عليهم أن يدفعوا الثمن في مابعد. العقوبات المترتّبة عن ذلك مُوزَّعة بين الطرد من العمل، والحرمان من التجول، وخطر الاعتقال في أي لحظة. فقد كانت حالة الطوارئ الدائمة تسمح للسلطات العسكرية بممارسة الاضطهاد من غير قيد، ووفق المبرّرات التي تختلقها دون أن تكون مُلزَمَة بإعطاء توضيحات بشأنها. وإلى جانب ذلك، لم تكن تكفُّ عن إخضاع الكُتّاب والشعراء العرب للإقامة المحروسة. فقد فرضت سلطات الاحتلال مرارا على سميح القاسم ألاّ يُغادِر بيته من غروب الشمس إلى شروقها، وهو ما تعرّض له أيضا توفيق زياد وسليم جبران. درويش نفسُه مُنِع من مغادرة حيفا. وينبغي أن نضيف إلى هذا كلـِّه، الرقابة العسكرية على الدواوين الشعرية، والاعتقالات، والطرد من العمل..

   ظل انغماس درويش في السياسة مستمرا منذ 1948، وهو بعدُ في سِنّ السادسة، إلى اندلاع حرب يونيو 1967، لمّـا بدأ يدنو من سنّ العشرين. وقد جسّدت نكسة 1967 منعطفا بالنسبة للشاعر، شانُه في ذلك شأن عدد كبير من المثقفين والكتـّاب والفنانين العرب. فعلى إثر هزيمة الدول والمجتمعات العربية في مواجهة إسرائيل، شرع شعراء، وكُتاب ومثقفون عرب من بلدان مختلفة، فـُرادى أو على نحو جماعي، في مراجعات مؤلمة، ودعوا إلى إعادة البناء، مشددين على ضرورة إنجاز انطلاقات جديدة. وتوالت البيانات مُصَرِّحة أن الدينامية الحقيقية للتحديث تتطلّب، حسب هذه الحركة الفكرية الجديدة، فتح جسور جديدة مع الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

   كثيرون انتهوا إلى ضرورة الإيمان بالديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد تسنّى ذلك كلـّه بفضل النقد الذاتي، والبيانات والبرامج الاستعجالية، والدعوات إلى النهوض والتطور. لقد كان لِما حدث في الجبهات الثلاث، المصرية والأردنية والسورية، وقعٌ حاسمٌ على المثقفين العرب.

   لاحظ قراء درويش أن الوقائع والأحداث المأساوية لم تقلب كثيرا مسار درويش، وإنما رسّخت لديه ما كان يؤمن به ويمارسه من قبل. لم يكن في حاجة، كما يطيب له أن يقول هو نفسُه، للنزول إلى الشارع، لأنه لم يحدث أن ابتعد يوما عنه. كما أن تصوره، منذ البدء، للالتزام جعله في الضفة الأخرى بالنسبة للتوجّه القائل بانغلاق الفن وانحصار الأدب في أبراج عاجية. لم يكن درويش في حاجة إلى نكسة مماثلة ليتسنّى له اكتشاف الشعب والجماهير والصراع.

   يبدو أن وقعَ نكسة 1967 مسَّ، أساسا، المضمون في شعره. مع هذا الحدث، ترسَّخ لدى درويش شعرٌ رافض للأمر الواقع، كما ترسّخ وعيُه الحادّ بالخصيصة العبثية للواقع وبضرورة تغييره. وفي ارتباط شبه عضوي مع بزوغ المقاومة الفلسطينية، بوصفها الردّ الفعلي المباشر على الهزيمة العربية، دخل درويش مرحلة شعر المقاومة في مساره الكتابي.

   ما شعر المقاومة؟ وما معنى المقاومة بالنسبة للشاعر؟ عبّر درويش، انطلاقا من شعره، عن ألمه وإدانته للظلم واحتجاجه ضدّه وعن غضبه ورفضه. فقد عَدَّ تغيير الواقع ضرورة. لم تنشئ نصوصه نسق نظرية ثورية بمحتوى اجتماعي، بل كانت تتوجّه إلى الجماهير. فشعر المقاومة، أساسا، ثوري.

   يظل الشعر، من الناحية الجمالية، مُهدّدا بالموت عندما لا يوظـِّفُ كلامه إلاّ لغايات واضحة في خطابات مباشرة. غير أن الرهان الجمالي مطروح بحدّة في شعر المقاومة. ذلك أن الشاعر مُلزَمٌ بالتفاعل مع الواقع وتجاوز خطاب الإبلاغ البسيط والخطاب البلاغي التقليدي. صراخُ المضطهَد المقاوِم يعني البشرية جمعاء. الجور والاعتقال والقتل والاضطهاد ممارساتٌ لا إنسانية، تـُسائل، بعيدا عن الحدود الجغرافية، كلَّ إنسان. ذلك ما يصنع رفعة شعر المقاومة  ونـُبْلَـَه.

   يتميز شعر المقاومة بحساسية عالية تجاه أشياء الأرض، بما يدلّ على ارتباطه بالجذور العميقة، وهو ما يساهم أيضا في بناء مقاومته وتصدّيه للظلم والاستبداد والتعسّف أمام قوة التاريخ التي لا تقاوَم.

   كلُّ ذلك جعل درويش يقول إنه ليس إلاّ امتدادا متواضِعا، بملامح فلسطينية، لتراث الاحتجاج والمقاومة العالميين، ابتداءً من تعبيراته الأولى في تاريخ الشعر العربي مع الصعاليك، وصولا إلى ناظم حكمت وكارسيا لوركا وأراغون وبابلو نيرودا وآخرين.

من الدواوين الأولى تطورت الكلمات، والصور، والرموز، والإيحاءات والوثيرة والدندنة والموسيقى...

   لمّـا بدأ شعر درويش ينضَجُ تدريجيا، تبيّن قرّاؤه تحوّلا متأنيا في كتابته، تجلّى في تشغيله المستمر للرموز، ولا سيما رمز شجر البرتقال والزيتون في أكثر من حوار، فسر درويش بنفسه أبعاد رمزيته الأساس.

 يتعلّق الأمر ، هنا، بما يَسِمُ الطبيعة الملموسة في فلسطين. فدرويش ليس من أنصار شعر الطبيعة الوصفي المُمَجِّد، في جميع الحالات، للطبيعة لأنها تَهَبُ لوحات جميلة. ذلك أن الطبيعة لا تكتسِب حياة ومعنى وقيمة إلاّ بالنظر إلى ما يحكُم علاقة الإنسان بها. وهكذا فإن اهتمام درويش بشجرتَيْ البرتقال والزيتون ينبثق من واقع الإنسان الذي حرث الشجرتين، وسقاهما بعرقه في انتظار جَنْي ثمرة جهوده. هذه العلاقة القائمة بين الفلاح والشجرة تعني استمرار الحياة والتجربة والوطن والتلقائية. غير أن هذه العلاقة، دنـَّسها، في حالة الوضع الفلسطيني، التعسُّف والدم، بما لا يتيح للشاعر الاحتفاظ بالصورة الأصلية للشجرة، بعدما تلطّخت أوراقُها بحمرة الدّم، وشابَها سوادُ الليل. ومن ثم أصبح الفلاح أمام واحد من المصائر التالية:

   ـ الموت قرب جذع الشجرة.

   ـ الإبعاد القسري عن شجرة الوطن، مما يحوّلها، في الذكرى، إلى رمز الوطن باحتمالات العودة إليه.

   ـ بقاء الإنسان طفلا للشجرة من غير أن يقوى على لمسها ولا على التفيُّؤ بظلالها والاستمرار في خلق علاقات معها، تماما مثل امرأة يقودها إلى الأسْر جيشٌ محتل، من غير أن نقوى على صدِّه(6).

   في فلسطين، لم يبق من الشجرة، بالنسبة لدرويش، غير دلالتها. لقد تحوّل الواقع إلى صور ورموز واستعارات. فالرمز ينمو مع حالات الإنسان الروحية، غير أنه يحتفظ بمعناه العميق والحقيقي انطلاقا من حركات شجر الزيتون. وهو، في النهاية، يعبِّر عن التشبث الدائم بالأرض، والقدرة على الصبر المستمر، والنّفَس الطويل، والخضرة الدائمة أو بالأحرى الخالدة، وعن المقاومة والتصدّي.

   يُعَدُّ الرمز، بهذا المعنى، تجاوزا للصورة الشعرية التقليدية. إنه يُحيل على الأحاسيس وينطوي، على نحو مّا، على الكلام المباشر. ثمة إكراهات أخرى، غير البحث عن الشعر، تفرض العودة إلى الرمز. نذكر منها، على سبيل التمثيل، ضرورة اللجوء إلى الحيلة الجمالية اتقاءً للرقابة والاضطهاد والحظر(7).

   لقد أصبح الرمز، مع ذلك، " واقعيا " لدى درويش، مما أتاح له التغنّي بالواقع وخدمته. إننا أمام طريقة لفهم الواقع والتعبير عنه وإعادة خلقه. ولا يقتصر الأمر، البتة، على آلية للتعبير ولا على طريقة جاهزة (8).

   لاتعارُض، إذن، بين الالتزام بقضية، مثل القضية الفلسطينية، والبحث عن طريقة شخصية في التعبير استنادا إلى الرموز(شجر البرتقال والزيتون...). فهذه الطريقة تتقوى بكتابة تعتني بعناصر مستمدّة من الحكايايت والأساطير( الأساطير الإغريقية، أساطير بلاد الرافدين، القصص الدينية، وحكايات ألف ليلة وليلة، وغيرها). استمدادٌ لا يعيد إبداع هذه العناصر وإنما يلتقطها ، في نطاق رمزية لا تنسى الجانب الذاتي فيها، بما يجعل هذه العناصر قابلة لخدمة الموضوع.

 

2- الظاهرة العمومية الدرويشية تعبير عن توسع الفضاء العام (والخاص):

   كلّما زار محمود درويش المغرب لإنشاد شعره إلاّ وحجَّ جمهور غفير لسماعه. ففي المدرسة المحمدية للمهندسين عام 1979، وفي مرات عديدة بمسرح محمد الخامس بالرباط، كان مكان الإنشاد ممتلئا بكامله. لقد أصبح الحضور الغفير لكل أمسيات درويش والإنصات إليه بخشوع وتصفيق الجمهور بحرارة على المقاطع التي يتجاوب معها، مشهدا شبه مألوف.

   ومن معلوم أن إنشاد الشعر أمام الجمهور تقليدٌ قديم خاص جدافي الثقافة العربية. نعثر على ما يوازي مظاهره إلاّ في أجواء الشعر الروسي. ومن المؤكّد أن مهرجانات الشعر، في فلسطين، ليست إلا امتدادا لهذا التقليد، حيث تمتلئ ساحات القرية والمدينة وقاعات السينما بجمهور من مختلف الفئات، ومن أعمار متباينة للإنصات للشعر. ولابدّ من ربط الأنشطة الفلسطينية، في هذا السياق، بأوضاع الفلسطينيين، ولا سيما بعد خلق الكيان الإسرائيلي. لقد تميزت القراءات الشعرية، في فلسطين، بحيويتها وجاذبيتها وتفاعل الجمهور معها، إلى أن بدأت تثير غضب السلطات الإسرائيلية، التي سعت إلى تطويق الوضع. وهكذا قررت منع الشعراء من مغادرة بيوتهم.

   في السنوات الأخيرة، بدا وقْعُ قراءات درويش في الرباط والقاهرة كما في تونس ودمشق وغيرها قويا. لقد ظلت قصائده تستقطب، حتى أيامه الأخيرة، جمهورا واسعا. وهكذا فإن العدد الهائل للجمهور، بتفاعله وتأثره بالشعر بوصفه تجربة سياسية، يظل، في حالة محمود درويش، لافتا من أكثر من زاوية. لا ينبغي عدُّ ذلك امتدادا لتقاليد قديمة، ولا حصره في طابع الفرجة وظاهرة التواصل ذات البعد الهائل في أمسيات درويش وحسب، بل يتعين أن نقرأ فيه أيضا تعبيرا وامتدادا لمسارات سياسية واجتماعية وثقافية واضحة في بنية المجتمع المغربي، ولربما لمسارات أخرى في مجتمعات عربية مماثلة.

   الزاوية الأولى، تتعلق بالأبعاد الوطنية لشعر درويش، التي تحيل، إلى جانب مضامينها السياسية الخالصة، على مسارات معقـَّدة لتكوين الشخصية العربية، وتكشف عن درجة نضجها. لا يتوجّه شعر درويش إلى الجماعات وإنما إلى " الأفراد " في وجودهم الشخصي الفردي، يتوجّه إلى ذاتيتهم وعواطفهم وحبِّهم وكراهيتهم وخوفهم وقلقهم.

   كما تحيل القراءات الشعرية العمومية لدرويش، من زاوية ثانية، على مسارات المواطنة لتأكيدها أو دعمها. فشعر درويش يتوجَّهُ إلى قوة نضالية حقيقية ومنظـَّمة تعبّر عن مواقفها.

   من زاوية ثالثة، تحيل اللحظة الدرويشية على الفضاء والنقاش العموميين. فالملاعب والمدرجات والمسارح والقاعات العمومية فضاءات ل " تداول " الشأن العام على نحو مّا. يُنشِدُ درويش أشعاره في أمكنة واسعة أمام جمهور هائل، مما يؤكد توسيع الفضاءات العامة، وإن كان الشعر يُسعف في قول الحرية المطلقة عبر جمالية خطاب يقوم على الحيلة، أو بتعبير أدق على القناع.

   ينفرد مسرح محمد الخامس بمدينة الرباط، بكونه المكان الوحيد ، حسب علمي، الذي قرأ فيه درويش قصيدته الشهيرة " جدارية " بكاملها، أمام جمهور غصّت به القاعة، ممّا اضطرّ جزءا كبيرا منه إلى متابعة الأمسية واقفا، في جوٍّ يطبعه الخشوع والتركيز الراهنين.

   السلطة، لأنها سلطة، تعتبر نفسَها مركز العالم بالمعنى الهيدغيري للعبارة، وتعتقد أنها جوهريا مركزُ الوجود ومالكة معناه.في قلب السلطة، أو لدى من يمثلونها، أو يزاولونها على نحو مّا، أو يعيشون في ارتباط معها أو لهم قرب مباشر منها، لا ينطوي العالم، بحركته وامتداده، على معنى إلاّ بفضلها. تـُقدِّمُ السلطة نفسَها بوصفها نظامَ العالم. هي مُنظـِّمتـُه. تصنعُ الرموز والوضعيات والامتيازات والفروق وتوزِّعها. تضعُ قوانين للرجال والنساء وتعَيِّنُهم، وتوجِّه الأوضاع والموارد والسياسة والاقتصاد والفنون والآداب. وتسعى إلى استمالة كلِّ الأجناس الإبداعية: الشعر، النثر، النقد، التحليل، البحث...

   غير أن الشاعر، أو الكاتب أو الفنان أو الفيلسوف، عندما ينزوي في عالمه الخاصّ أو يتمرّد، أو ببساطة يقرِّر أن يتحرَّر، فإن السلطة تعجز أمامه وتكتشف حدودَها. تصبحُ الأشعارُ، حينئذ، والخطابات المماثلة لها في الفاعلية الثقافية، قلاعا حصينة.

 

3- نسبية السياسة وطابعها المطلق:

 

   لقد ذاع رفضُ درويش لمنصب وزير الثقافة في الحكومة الأولى للسلطة الفلسطينية، التي تمّ إنشاؤها في السنوات الأخيرة. وكان معروفا أيضا انتخابه عضوا في منظمة التحرير الفلسطينية، وإن لم يحضر جمعها بالجزائر عام 1978. فوثيقة إعلان الاستقلال تحمل توقيعه. وبمجرد انتخابه في اللجنة التنفيذية، فكـَّر للتوّ في الانسحاب بصمت وهدوء، على نحو ما يشهد على ذلك نص: " قبل كتاب الاستقالة ". إن هذا الموقف، الذي يبني علاقة خاصّة بين الداخل والخارج، القربِ والبعد، التورطِ والتحرُّر، الاندفاع والتميز ووضع مسافة، يُجسِّد نمط الانسحاب الخاصّ بالشاعر، الذي بدا منشغلا بجبهات وصراعات أخرى، داخلية أكثر منها محددة. وقد ظل انسحابه، مع ذلك، متحفظا ومحتشما، وبدا له، منذ انفصاله، أن الأساسي أبعدُ من السلطة.

   مثقفون عديدون، من فلسطين بوجه خاصّ، عبّروا، منذ السبعينيات، عن اختلافهم مع محمود درويش. يتعلق الأمر، في الغالب، باختلافات عميقة حول قضايا سياسية متنوعة، منها: الموقف من إسرائيل، الحضور الصهيوني في فلسطين، مشروع المقاومة الفلسطينية وهويتها، المواقف من القرارات الدولية ـ القرار 181 عام 1947 القاضي بتقسيم فلسطين والقرار 242 عام 1967 ـ مختلف مظاهر الاعتراف بإسرائيل، المواقف من القُوى الدولية منذ الاتحاد السوفياتي سابقا إلى الاتحاد الأوربي راهنا، ثم القضايا المتعلقة بالأنظمة العربية وبالنظام الفلسطيني والمقاومة الإسلامية في فلسطين.

   ولمّا أخذت تجربة درويش، في الحياة والموت، تتشعّب تدريجيا، تبنّى الشاعر وجهة نظر أخرى عن السياسة، اتسمت فيها الحواجز بالنسبية. هكذا نشر، مع الاندلاع القوي للانتفاضة الأولى في مارس 1988، قصيدته الشهيــــرة: " عابرون في كلام عابر " التي أزعجت الإسرائيليين أيما ازعاج. فيها يقول:

          أيّها المارّون بين الكلمات العابرة

          احملوا أسماءكم، وانصرفوا

                   (.....)

          أيّها المارّون بين الكلمات العابرة

          منكم السيف ـ ومِنّا دمُنا

          مِنكم الفولاذ والنار ـ ومِنّا لحمنا

                   (.....)

          أيّها المارّون بين الكلمات العابرة

          كدِّسوا أوهامَكم في حُفرة مهجورة، وانصرفوا

                   (.....)

          ولنا ما ليس فيكم: وطَنٌ ينزفُ شعباً ينزفُ

          وطناً يصلح للنسيان أو للذاكرة..

          أيّها المارّون بين الكلمات العابرة

          آنَ أنْ تنصرفوا

          ولتموتوا أينما شئتم، ولكن لا تموتوا بيننا

                   (.....)

          فاخرُجوا من أرضنا

          من برِّنا..من بحرنا

          من قمحنا..من مِلحنا..من جُرحنا

          من كلِّ شيء، واخرُجوا

          من ذكريات الذاكرة

          أيّها المارّون بين الكلمات العابرة..

   فيما بعد، سيكتب درويش قصيدة " جدارية "، قصيدة بنفـَس سردي، إنها دازي باو Dazi bao*، بيانٌ على الجدران وكتابة عليها، قِطعُ نقوش مذهلة. بهذه القصيدة، قدّم درويش نصّاً نهائيا ولكنهلم يكن الأخير. في هذه الجذارية عالج الشاعر الموت الذي اقترب منه إبان العملية الجراحية التي أجرِيتْ له على القلب، وقد تحدّد الموتُ في هذه القصيدة بوصفه سؤالا وجودياً، وتمَّ فيها رصدُ تفاصيل " النزول " نحو الموت، وعلاماتِ العودة إلى الحياة، مرفقة بالصور المعتادة في مثل هذه الأوضاع؛ طريقٌ في صورة نفق وأشخاصٌ بثوب أبيض.لقد كان درويش، في هذه القصيدة، يبحث عن جسده وروحه.

   بناءً على تيمة القصيدة ونسقها العامّ، نكون، ما في ذلك شك، أبعد ما نكون نحنمن السياسة التي تمَّ التعالي عنها. ونعثر، في الآن ذاته، على المسار السياسي لدرويش بكل الوقائع الكبرى التي عاشها؛ المنافي، بيروت، محطة تونس وباريس، العودة الجزئية إلى فلسطين بعد اتفاق أوسلو. إننا، على كل حال، بعيدون عن السياسة على الرغم من انبثاق التيمات ذات الحمولة السياسية القوية، مثل تيمة المنفى، التنقل الدائم ، الذاكرة السياسية، نزع الملكية، وعلى الرغم أيضا من الإحالة على التعارض بين الأقوياء والضعفاء، والمواجهة والصراع، والوطن بوصفه لغة، ورمزية المُلك في القصيدة ورمزية الإشارات السياسية ( شعب، جباية، بلد، حدود الوطن، جيش، سجَّان).

   إن النزول إلى العدم والخروج منه، في وضعية شبيهة بالموت، يُتيح للشاعر الإحساسَ باستقلاليته تجاه هذه العوالم. فحظوة اللحظة التي يجسِّدها، في هذه القصيدة الرائعة، السفرُ داخل الموت، حيث ارتياب الموت يُطوِّق ارتياب الحياة، تقع بما هي إدراك لمعنى الوجود، أبعد من السياسة، ما في ذلك شك.

الاقتراب من الموت والتعوُّد عليه يُضفيان على أشياء العالم طابع النسبية ويُسوِّغان الجُرعة العالية للأمل، كما يُرجعان الأشياء إلى حجمها الحقيقي. هكذا نفهم رفض الكثيرين لهذا النوع من الكتابة، إلى النهاية لابتعاد درويش عن السياسة، وتفضيلهم سُمُو الارتباط بقضية تحرير الوطن على سُمُو التعالي بالقضايا الوطنية لِوَصْلها بما هو كوني.

وفي كل الأحوال، ورغم كل شيء، لا قبل ولا بعد للسياسة عند محمد درويش منذ البداية، إلى النهاية.

عبد الله ساعف

أبريل 2009


 

الهوامش:

(1)- أول حوار لمحمود درويش في الصحافة العربية، أجراه مع الناقض محمد دكروب، مجلة الطريق 1968 في موسكو.

(2)- أين تبدأ المرحلة الأولى وأيت تنتهي، ليست مسالك الكتابة بهذه البساطة؟ ما الذي يميز بين الموجات الشعرية لمحمود درويش: "أوراق الزيتون"، "عاشق من فلسطين"، "آخر الليل"، "حبيبتي تنهض من نومها"، "العصافير تموت في الجليل"، "محاولة رقم 7"، "مديح الظل العالي"، "أرى ما أريد"، "أعراس"، "هي أغنية هي أغنية"، "ورد أقل"، أحدى عشر كوكبا"... ؟

(3)- العروي (عبد الله)، العرب والفكر التاريخي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-بيروت، 1992، ص.171- 203.

(4)- مجلة الطريق، مصدر سابق الذكر.

(5)- نفس المصدر.

(6)- نفس المصدر،

أنظر مقالة منير شفيق، حول علاقة محمود درويش بالقضية الفلسطينية من خلال شعره، وجهة نظر (الفلسطينية) 2008.

(7)- محمد بنيس، الوصية الشعرية لمحمود درويش، "القدس العربي"، عدد خاص في مناسبة أربعين يوما على رحيل درويش، ص. 14.

(8)- حوار محمود درويش للمساء المغربية، هناك افراط في التأويل السياسي لقصائدي، المساء 25/06/2008،(حكيم عنكر).